المقريزي
53
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
المستقبل من الجانبين ، هو حدّ مقابلة الجهة التي قال جماعة من علماء الشّريعة بصحّة استقباله في الصّلاة . والخطّان الخارجان من العينين إلى طرفيه هما آخر الجهة من اليمين والشّمال . فمهما وقعت صلاة المستقبل على الخطّ الفاصل بين الزّاويتين كان قد استقبل عين الكعبة ، ومهما وقعت صلاته منحرفة عن يمين الخطّ أو يساره - بحيث لا يخرج / استقباله عن منتهى حدّ الزّاويتين المحدودتين بما يكشف بصره من الجانبين - فإنّه مستقبل جهة الكعبة . وإن خرج استقباله عن حدّ الزّاويتين من أحد الجانبين ، فإنّه يخرج في استقباله عن حدّ جهة الكعبة . وهذا الحدّ في الجهة يتّسع ببعد المدى ويضيق بقربه ، فأقصى ما ينتهي إليه اتّساعه ربع دائرة الأفق ، وذلك أنّ الجهات المعتبرة في الاستقبال أربع : المشرق ، والمغرب ، والجنوب ، والشّمال . فمن استقبل جهة من هذه الجهات ، كان أقصى ما ينتهي إليه سعة تلك الجهة ربع دائرة الأفق . وإن انكشف لبصره أكثر من ذلك ، فلا عبرة به من أجل ضرورة تساوي الجهات . فإنّا لو فرضنا إنسانا وقف في مركز دائرة ، واستقبل جزءا من محيط الدّائرة ، لكانت كلّ جهة من جهاته الأربع - التي هي وراءه وأمامه ويمينه وشماله - تقابل ربعا من أرباع الدّائرة . فتبيّن بما قلنا أنّ أقصى ما ينتهي إليه اتّساع الجهة قدر ربع دائرة الأفق . فأيّ جزء من أجزاء دائرة الأفق قصده الواقف بالاستقبال في بلد من البلدان ، كانت جهة ذلك الجزء المستقبل ربع دائرة الأفق ، وكان الخطّ الخارج من بين عيني الواقف إلى وسط تلك الجهة هو مقابلة العين ، ومنتهى الرّبع من جانبيه يمنة ويسرة هو منتهى الجهة التي قد استقبلها . فما خرج من محاريب بلد من البلدان عن حدّ جهة الكعبة ، لا تصحّ الصّلاة لذلك المحراب بوجه من الوجوه . وما وقع في جهة الكعبة ، صحّت الصّلاة إليه عند من يرى أنّ الفرض في استقبال الكعبة إصابة جهتها . وما وقع في مقابلة عين الكعبة ، فهو الأسدّ الأفضل الأولى عند الجمهور . وإن أنصفت علمت أنّه مهما وقع الاستقبال في مقابلة جهة الكعبة ، فإنّه يكون سديدا . وأقرب منه إلى الصّواب ما وقع قريبا من مقابلة العين يمنة أو يسرة ، بخلاف ما وقع بعيدا عن مقابلة العين فإنّه بعيد من الصّواب ، ولعلّه هو الذي يجري فيه الخلاف بين علماء الشّريعة ، واللّه أعلم . وحيث تقرّر الحكم الشّرعي بالأدلّة السّمعيّة والبراهين العقلية في هذه المسألة ، فاعلم أنّ المحاريب المخالفة لمحاريب الصّحابة ، التي بقرافة مصر وبالوجه البحري من ديار مصر ، واقعة في